الشيخ السبحاني

366

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

يكون بمنزلة من لم يسئ . وإن تساويا يكون مساويا لمن يصدر عنه أحدهما ، وهو نفس الظلم « 1 » . يلاحظ عليه : إنّ الإحباط إنما يعدّ ظلما ، ويشمله هذا الدليل ، إذا كان الأكثر من الإساءة مؤثرا في سقوط الأقل من الطاعة بالكلية ، من دون أن تؤثر الطاعة القليلة في تقليل الإساءة الكثيرة ، كما عليه أبو علي الجبائي . وأما على القول بالموازنة ، كما هو المحكي عن ابنه أبي هاشم ، فلا يلزم الظلم ، وصورته أن يأتي المكلّف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب ، وبمعصية استحق عليها عشرين جزء من العقاب ، فلو قلنا بأنّه يحسن من اللّه سبحانه أن يفعل به عشرين جزء من العقاب ، ولا يكون لما استحقه من الطاعة أيّ تأثير ، للزم منه الظلم . وأما إذا قلنا بأنه يقبح من اللّه تعالى ذلك ، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلا عشرة أجزاء ، وأما العشرة الأخرى فإنها تسقط بالثواب الذي استحقه على ما أتي به من الطاعة ، فلا يلزم ذلك . يقول القاضي عبد الجبار ، بعد نقل مذهب أبي هاشم : « ولعمري إنه القول اللائق باللّه تعالى ، دون ما يقوله أبو علي ، والذي يدل على صحته هو أنّ المكلّف أتى بالطاعات على الحد الذي أمر به ، وعلى الحد الذي لو أتى به منفردا عن المعصية لكان يستحق عليها الثواب ، فيجب أن يستحق عليها الثواب ، وإن دنّسها بالمعصية ، إلا أنّه لا يمكن والحالة هذه أن يوفر عليه ، على الحد الذي يستحقه ، لاستحالته ، فلا مانع من أن يزول من العقاب بمقداره ، لأنّ دفع الضرر كالنفع في أنّه مما يعد في المنافع » . ثم قال : « فأمّا على مذهب أبي علي فيلزم أن لا يكون قد رأى صاحب الكبيرة ، شيئا مما أتى به من الطاعات ، وقد نصّ اللّه تعالى على خلافه » « 2 » . والأولى أن يستدلّ على بطلان الإحباط بأنه يستلزم خلف الوعد إذا كان الوعد منجزا ، كما هو في محل النزاع ، وأما إذا كان مشروطا بعدم لحوق العصيان

--> ( 1 ) كشف المراد ، ص 260 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة ، ص 629 .